سيد محمد طنطاوي
8
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
صلى اللَّه عليه وسلم : « لا أشك ولا أسأل » ، وهو مرسل يؤيده قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، والحسن البصري . وثانيهما : أن هذا المعنى نزل في سورة مكية أخرى ، كقوله - تعالى - في سورة الإسراء : ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ « 1 » . وقوله - سبحانه - في سورة الأنبياء : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 2 » . والذي تطمئن إليه النفس ، أن سورة يونس جميعها مكية ، كما قال المحققون من العلماء ، لأن الذين قالوا بوجود آية أو آيات مدنية فيها لم يأتوا برواية صحيحة تصلح مستندا لهم ، ولأن السورة الكريمة من مطلعها إلى نهايتها تشاهد فيها سمات القرآن المكي واضحة جلية ، فهي تهتم بإثبات وحدانية اللَّه ، وبإثبات صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم وبإثبات أن هذا القرآن من عند اللَّه ، وأن البعث حق ، وأن ما أورده المشركون من شبهات حول الدعوة الإسلامية ، قد تولت السورة الكريمة دحضه بأسلوب منطقي رصين . . والذي يطالع هذه السورة الكريمة بتدبر وخشوع ، يراها في مطلعها تتحدث عن سمو القرآن الكريم في هدايته وإحكامه ، وعن موقف المشركين من النبي صلى اللَّه عليه وسلم ودعوته ، وعن الأدلة على وحدانية اللَّه وقدرته . قال - تعالى - : الر . تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ . أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ ، أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ . ثم نراها في الربع الثاني منها تصور بأسلوب حكيم طبيعة الإنسان فتقول وإِذا مَسَّ الإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِه أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْه ضُرَّه مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّه ، كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الآية 12 . ثم تحكى مصارع الظالمين ، وأقوالهم الفاسدة ، ورد القرآن عليهم فتقول : ولَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ، وجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ، وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ . ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ . وبعد أن تمضى السورة الكريمة في دحض أقوال المشركين ، وفي بيان الطبائع البشرية ، نراها في مطلع الربع الثالث . تصور لنا حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة الضالين ، فتقول :
--> ( 1 ) الآية 101 . ( 2 ) الآية 7 تفسير المنار ج 11 ص 141 الطبعة الرابعة - مكتبة القاهرة .